حكيم أبو القاسم الفردوسي ( تعريب : الفتح بن علي البنداري )

347

شاهنامه ( الشاهنامه )

ولما طلعت الشمس من اليوم الرابع أمر بحمل الأزواد والاستظهار بالطعام والشراب . وارتحل بهم وسار إلى أن عبر نصف الليل فسمع صوت الكركي فاستدعى الأسير وقال : أما قلت أنه لا ماء في هذه البرية ؟ فقال : هاهنا ماء ملح وبعده ماء آخر زعاق تشربه الوحوش . المنزل السابع عبور إسفنديار النهر وقتله كركسار فساروا وتقدّم إسفنديار وسار فأفضى إلى بحر لا قعر له ولا ساحل . فتقدّم الساربان بالجمل الذي كان يقدم القطار وخاض الماء ليعبر فغرق الجمل . فأدركه إسفنديار فأخذ بأفخاذه واجتره واستخرجه . فوقف ووقف الجميع فاستحضر كركسار وسأله عن المخاض ، وأمره بأن يتقدّم في العبور . فقال : كيف يمكنني ذلك مع ما في رجلي من أثقال الحديد ؟ فأمر برفع قيوده عنه . فأخذ بزمام الجمل وخاض الماء وعبر ، وتبعه العسكر حتى حصلوا من ذلك الجانب فخيموا ونزلوا للطعام والشراب . فأحضر كركسار وقال : إذا أخذت مدينة أرجاسب فقتلته وقتلت أولاده وسبيت ذراريه ونساءه كيف يقع ذلك منك ؟ أيسرك أم يسوؤك ؟ فضاق صدره وسفه على إسفنديار وشتمه . فعلاه بالسيف وقتله ورماه إلى البحر . فركب وحده . وكان بينه وبين المدينة عشرة فراسخ . وسار وصعد إلى بعض الجبال فرأى القلعة فاستعظم أمرها واستعضل داءها فأطرق مليا يقرع سن الندم على تقحمه في تلك المهالك الصعبة ، وتورطه في تلك المسالك الوعرة ، حين رأى حصانة حصارها ، ووثاقة أسوارها ، وكثيرة رجالها ، وفسحة مجالها . فنظر فرأى تركيين معهما كلاب للصيد في سفح ذلك الجبل . فانحط عليهما وأسرهما ، وجاء بهما إلى مخيمه واستخبرهما عن أحوال القلعة والطرق المفضية إليها وعدد من فيها من المقاتلة . فأخبراه عن أرجاسب وجميع أحواله ، وذكرا له أن فيها ثلاثين ألف فارس ، وأن فيها من الذخائر ما لا ينفد في عشر سنين ، وفيها الحبوب مدخرة في سنابلها . فضاق إسفنديار ذرعا بما سمع منهما فقتلهما . دخول إسفنديار القلعة النحاسية بزي التجار ثم خلا بأخيه وقال له : إن هذه المدينة لا تفتح بالمحاصرة والمقاتلة . ولا بدّ في ذلك من إعمال الحيلة ، والالتجاء إلى المكر والخديعة . فكن متيقظا ، وفرّق طلائعك ، وأقعد على بعض المراصد ديدبانا . فإذا أخبرك بأنه رأى بالنهار دخانا متراكما ، وبالليل نارا عالية على القلعة اعلم أن ذلك من صنيعي فاركب وأقبل إلى القلعة بخيلك ورجلك . ثم استدعى الساربان وأمر بإحضار مائة راحلة فأوقر عشرة منها بالذهب ، وخمسة بالجوهر ، وخمسة بالثياب . وأحضر مائة وستين صندوقا ، وأقعد في كل صندوق رجلا موسوما بالشجاعة والجرأة من رجاله بعدده وسلاحه . وحملها على ثمانين راحلة . ثم غير زيه ، وجعل على الجمال عشرين رجلا من شجعان أصحابه وأقامهم مقام الجمالين ، وتزيوا بزيهم . ثم ذهب بهم إلى القلعة . فلما قرب منها استقبله الناس وأهل الأسواق ،